الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

306

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ . وجملة لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ مبيّنة لإجمال جملة إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ، فلذلك فصلت فلم تعطف لأنها بمنزلة عطف البيان . وتفريع الأمر بالسرى على جملة لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ لما في حرف لَنْ من ضمان سلامته في المستقبل كلّه . فلمّا رأى ابتداء سلامته منهم بانصرافهم حسن أن يبين له وجه سلامته في المستقبل منهم باستئصالهم وبنجاته ، فذلك موقع فاء التفريع . و ( أسر ) أمر بالسرى - بضم السين والقصر - . وهو اسم مصدر للسير في الليل إلى الصباح . وفعله : سرى يقال بدون همزة في أوّله ويقال : أسرى بالهمزة . قرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو جعفر - بهمزة وصل - على أنه أمر من سرى . وقرأه الباقون بهمزة قطع على أنه من أسرى . وقد جمعوه في الأمر مع أهله لأنه إذا سرى بهم فقد سرى بنفسه إذ لو بعث أهله وبقي هو لما صحّ أن يقال : أسر بهم للفرق بين أذهبت زيدا وبين ذهبت به . والقطع - بكسر القاف - : الجزء من الليل . وجملة وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ معترضة بين المستثنى والمستثنى منه . والالتفات المنهي عنه هو الالتفات إلى المكان المأمور بمغادرته كما دلّت عليه القرينة . وسبب النهي عن الالتفات التقصي في تحقيق معنى الهجرة غضبا لحرمات اللّه بحيث يقطع التعلق بالوطن ولو تعلّق الرؤية . وكان تعيين الليل للخروج كيلا يلاقي ممانعة من قومه أو من زوجه فيشقّ عليه دفاعهم . و إِلَّا امْرَأَتَكَ استثناء من أهلك ، وهو منصوب في قراءة الجمهور اعتبارا بأنه مستثنى من أهلك وذلك كلام موجب ، والمعنى : لا تسر بها ، أريد أن لا يعلمها بخروجه لأنها كانت مخلصة لقومها فتخبرهم عن زوجها . وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو - برفع - امْرَأَتَكَ على أنه استثناء من أَحَدٌ الواقع في سياق النهي ، وهو في معنى النفي . قيل : أنّ امرأته خرجت معهم ثم التفتت إلى المدينة فحنّت إلى قومها فرجعت إليهم . والمعنى أنه نهاهم عن الالتفات فامتثلوا ولم تمتثل امرأته للنهي فالتفتت ، وعلى هذا الوجه فالاستثناء من كلام مقدّر دلّ عليه النهي . والتقدير : فلا يلتفتون إلّا امرأتك